بقلم د.الشريف الرطيطبي
يعتقد العديد ممن لا يعملون بسلك التعليم، إلى جانب بعض أفراد الأسرة التعليمية، أن الاشتغال بالإدارة التربوية يتميز بكونه أقل عناء وجهدا من العمل في الفصل الدراسي وتلقين الدروس. والحقيقة هي عكس ما يظنون. ففي الوقت الذي يبذل العاملون في القسم جهودا في تحضير الدروس وإلقائها، وتهيئة الفروض والامتحانات وتصحيحها، فإنهم يبذلون جهدا أكبر في ضبط أقسامهم والتحكم في انضباطها بأسلوب خاص يجمع بين اللين والصرامة تجاه العناصر المشاغبة. ويجد العديد من المدرسين صعوبات في هذا الباب، فيضطرون مرارا وتكرارا إلى طلب تدخل العاملين في الإدارة التربوية، وهو الأمر الذي يمس بهيبتهم تجاه العديد من تلامذتهم. وفي المقابل يعمل أعضاء الطاقم الإداري كوسيط بين المدرسين والتلاميذ وأوليائهم، وهم يتتبعون الأوضاع التربوية والاجتماعية والنفسية للمتعلمين، وبالتالي يربطون علاقات متشعبة مع أوليائهم، ومع مختلف المتدخلين الذين يهمهم أمر التربية والتعليم محليا وإقليميا. وهي العلاقات التي يتداخل فيها ماهو تربوي واجتماعي وصحي وقانوني، وتتطلب زادا معرفيا وصبرا وحكمة. ولا يمكن معرفة خصوصيات مهام ومسؤوليات الفعل الإداري التربوي لمن لم يتسن له ممارسته بالفعل.
لم أكن لأتخيل يوما أنني سأتحول من مدرس بالقسم إلى مسؤول إداري بالمؤسسة التعليمية، وتبقى الأسباب في ذلك كثيرة ومتعددة، منها عدد ساعات العمل الكثيرة والمتصلة صباحا ومساء، ودقة المسؤولية، وخصوصا التموضع في مرمى نيران كل الأطراف. وقد عاينت كل ذلك يوم كنت أزور السيد الناظر المحترم بمكتبه بثانوية مولاي عبد الله الشريف الصديق عبد الله العبدلاوي لألاحظ كيف كان يعالج مختلف القضايا المطروحة بترو وتـأني وبعد نظر، كما أنه كان يخصص أوقاتا غير يسيرة في خدمة المدرسة والمتمدرسين. وكمثال على ذلك تحضيره وتدقيقه لجداول حصص عمل الأساتذة وحصص التلاميذ، في أيام عديدة من الاجازة الصيفية التي كنا نقضيها معا على شاطئ ترغة بساحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك على طول سنوات عديدة. هذا فضلا عن تنظيمه وتتبعه للامتحانات وما يرتبط بها من تدابير وإجراءات، وغيرها من المهام التربوية المضنية. ومع ذلك قررت خوض التجربة من باب رغبتي في ممارسة الأنشطة التربوية الاجتماعية من موقع المنظم والمشرف، وهي في جزء منها من اختصاصات الطاقم الإداري. وفي الوقت الذي تحققت لي تلك الأمنية ومنحتني تجربة غنية وأفقا جديدا في مسيرتي المهنية، بقي الحنين دوما إلى التدريس، باعتباره يمنح فرصة تجديد المعارف وإغنائها بوتيرة أكبر وإيقاع غير متقطع، نتيجة الاحتكاك بالمتعلمين وبزملاء المادة المدرسة والمشرفين التربويين. وفي نفس الوقت بقيت تشدني الرغبة في خدمة المتعلمين بأعداد أكبر وعلى واجهات متعددة، وخاصة عندما تتوفر شروط العمل الإداري في مؤسسة توفر الحد الأدنى من الشروط المادية، والانسجام الواجب بين الفريقين التربوي والإداري، ووجود حكامة جيدة وفعل تشاركي. وما عدا ذلك يصبح العمل الإداري التربوي جحيما لا يطاق، فيحتاج إلى صبر أيوب وإلى جرأة الشجعان للوقوف في وجه العديد من الاختلالات في تدبير وتسيير الشأن التربوي والإداري والمالي بالمؤسسة التعليمية التي تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات البعيدة عن الفعل التربوي النبيل.
وجدير بالذكر التنويه برجال وسموا الإدارة التربوية بوزان بطابعهم الخاص ، بما أبانوا عنه من جدية ونزاهة وحب لرسالة التربية والتعليم وتفان في أدائها. وهم ثلة ممن يشهد لهم بذلك العاملون بالمؤسسات التعليمية ومعظم المتمدرسين وأولياءهم بما حققوه من نتائج مشرفة. وعلى سبيل الذكر لا الحصر لا بد من التنويه بهؤلاء السادة المحترمين وأمثالهم: عاشور وبنلمليح بمدرسة القشريين، وعبد الله السويني ومحمد القياسي وصلاح الدين الحلة بثانوية مولاي عبد الله الشريف، وادريس التهامي وعبد الواحد خالص بثانوية ابن زهر، والعلمي الرحموني ومحمد الوديي والحسن الحرشاوي بإعدادية مولاي التهامي، وعبد الرحمان البقالي ومحمد دروز بإعدادية الإمام مالك، وعبد القادر بويبان بثانوية القرطبي للتعليم الأصيل، وحميد الكواش بثانوية عبد الله ابن ياسين. وعلى شاكلتهم رجال كثر أمثال: بلمليح، والطيبي، وفراجي ، والصحراوي، ومحمد حمامو، وعبد الرحيم حجاح، والسعيد زروال، ومصطفى حجي.
وقد عرفت هؤلاء عن قرب بصفتي تلميذا أو مدرسا أو مربيا، وتبين لي بالملموس أن نجاحهم في تقلد مسؤولية الإدارة التربوية هو استمرار ونتيجة طبيعية لنجاحهم في مهام التدريس والتربية والتكوين وما يتطلبه من حنكة وزاد معرفي واستعداد للتضحية والعطاء.