وازن بريس
أعادت مدينة وزان، نهاية الأسبوع الأول من شهر ماي الجاري، صياغة موقعها في المشهد الوطني، بعدما احتضنت النسخة الرابعة من المؤتمر الفكري الوطني لحركة الطفولة الشعبية، المنظم تحت شعار “التربية على تدبير المجال الرقمي والإعلامي”، بمشاركة أزيد من 60 فرعًا من فروع الحركة عبر مختلف جهات المملكة. اختيار المدينة التي تصنف ضمن “الهامش التنموي” لتنظيم حدث فكري وطني من هذا الحجم، شكّل رسالة واضحة إلى صناع القرار مفادها أن من الهامش قد تنبع ديناميات التغيير حين تتوفر الإرادة وتُمنح الفرص.
المؤتمر، الذي انطلق في الثالث من ماي تزامنًا مع تخليد اليوم العالمي للصحافة، شكل مناسبة للنقاش حول تحديات العصر الرقمي، خاصة في ما يتعلق بحماية الأطفال والمراهقين من مخاطره، وتعزيز وعيهم ومواطنتهم الرقمية.
وقد شهدت الجلسة الافتتاحية، التي أدارها الإعلامي وعضو المكتب التنفيذي للحركة حمزة البراهمي، حضور شخصيات بارزة من مجالات الإعلام والتربية والحقوق، من بينها مدير المعهد العالي للصحافة والإعلام، وعميد كلية علوم التربية، إلى جانب أساتذة جامعيين وخبراء في المجال الرقمي، بالإضافة إلى ممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والجامعة الوطنية للتخييم، والمديرية الإقليمية للتعليم، ونواب جماعة وزان، وفعاليات مدنية.
وعلى امتداد الورشات والجلسات، هيمن الحديث عن مخاطر الاستخدام العشوائي للفضاء الرقمي، إلا أن المشاركين، وخاصة شباب الحركة، انتصروا للأمل وقدّموا مقترحات وتصورات لبناء وعي رقمي مسؤول وآمن، وهو ما تُرجم في “نداء وزان”، الصادر عن المؤتمر، والذي شدد على أن حماية الأطفال في العالم الرقمي مسؤولية جماعية، وضرورة وطنية لبناء مجتمع رقمي آمن يُمكّن الأجيال الجديدة من استخدام التكنولوجيا بوعي، ويتيح لهم فضاءات للابتكار والانخراط الفعال في المواطنة الحقيقية.
ومن أبرز مخرجات المؤتمر الإعلان عن تأسيس “مركز الطفولة الشعبية للتربية الإعلامية والرقمية”، وهو فضاء علمي من المنتظر أن يُعنى بالبحث والتكوين وإنتاج المحتوى، وتنظيم المؤتمرات والدورات المتخصصة، وبناء شراكات مع مؤسسات وطنية ودولية، في خطوة تعزز موقع وزان كفاعل مدني من قلب الهامش الوطني.
وقد تلقى المؤتمر برقيات دعم من جهات مؤسساتية ومدنية داخل المغرب وخارجه، في وقت غابت فيه الجهة الرسمية الترابية، وهو غياب أثار تساؤلات، خاصة في ظل الحديث عن تبني مفهوم جديد للسلطة ودعم المبادرات المدنية الجادة.
اختيار وزان لاحتضان هذا المؤتمر، وما واكبه من نجاح تنظيمي وفكري، أعاد إلى الأذهان المبادرات التنموية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس من المدينة ذاتها في بداية عهده، والتي لم ترَ أغلب مشاريعها النور بسبب أعطاب في التنزيل وغياب الإرادة. غير أن حركة الطفولة الشعبية آثرت أن تعيد لوزان وهجها الرمزي، وأن تبرز عبر المؤتمر أن في الهامش إمكانات وكفاءات قادرة على التأثير متى أُتيحت لها الفرصة.